أيمن.ع قروح في جسد حياته
إعداد: آلاء بني فضل
عشر سنوات من الصمت المخنوق في روح طفل
بعدما أن استيقظت عيناه ووجدت رجلا ملثما جسده باللباس الأبيض، ساكن الجسد لا يتحرك،
يحمل ويوضع في صندوق خشبي ليرحل به بعيدا، الكل يلاحقون ذلك الصندوق، في حينها كتم
صوته لتتلوها خمسة أعوام من التلعثم، إدراكه الطفولي وبعض ما اختزنته ذاكرته من كلمات
قادته أن والده ابن الثلاثين عاما لن يعود ثانية فقد داهمته الحياة بجلطة على الدماغ
ليترك عبئا كبيرا على كاهل والدته، حيث الأبناء الستة والسابعة في أحشائها، هو أيمن.ع،
الذي استنشق هواء بلدة قوصين وترعرع جزءا من حياته فيها، ولد سنة 1973 ليكون ابنا لأسرة
مكونة من 9 أفراد، حرمها القدر من طعم الابوه
ونكهة الحياة الطيبة.
الدموع شقت عيناه وارتعد صوته ليقول:” رحل
أبي ولم يسمع مني كلمة بابا، رحل ولم اشعر بعد بطعم الأبوة، وجعل قلوبنا عطشى بحنان
الأب، عشت طفولتي غيورا من كل طفل له أب، ففي كل صباح ومساء وكل عيد ومناسبة اطلب بعيوني
أبي، وفي كل فصل دراسي ألوح بشهادتي أين أبي، عشت طفولتي بصمت، أحاول النطق لا استطيع”.
مشوار طفولة بطعم العلقم…
بدأ المشوار المر بحياته وأسرته المحتاجه
لمن يعيلها بقرار والدته التي لم تنتظر كثيرا بعد وفاة والده الذي لم يترك أملاكا ليعتاشوا
بها، وصراخ أبنائها جوعا لتذهب للعمل في منازل المدينة لعدة سنوات إلى أن استقر عملها
في احد مستشفيات المدينة، كان أيمن صامت اللسان ولا عليه سوى المراقبة اذ يقول: كنت
أراقب أمي واشعر بها وهي تنطلق إلى عملها مع صلاة الفجر، لتسير خمسة كيلو مترا مشيا
على الأقدام لتصل الطريق الحية بوسائل النقل، تقاوم ظلمة الفجر وتتخطى كل المخاوف،
مرددة بنفسها سورا من القرآن كي تحمي نفسها بها، ولم ينسى أيمن أبدا كلام والدته بعدما
غدرها الزمان ليردده من جديد فيتحدث كانت امي دائما تقول: “عمل المرأة ليس عيبا فمن
اجل أطفالي سأعمل في البيوت أمسح وأجلي، أتحمل قذارة البشر وظلم الزمان”
ويضيف وعيونه يملؤها الفخر بوالدته، استطاعت
والدتي ان تتخطى كل الحواجز من كلام الناس والتقاليد البالية بسلام، رافضة الإحسان
من احد، فهي من علمتنا عزة النفس وان الكرامة هي الحياة ودونها يجب أن نموت، فلم تجعلنا
نحتاج لشيء، رفضت ان تشق مسارا جديدا من الزواج بحياتها، فهي بالخامسة والعشرين من
عمرها ذاك العمر الذي تتفتح به الزهور لتطلق جمالها، إلا أنها رفضت سعادتها وأحلامها
لنصبح نحن كل ما في حياتها.
وكان أيمن دائما يتعذب لعذابها، ويتمنى
أن يسرع به العمر ويشتد عوده ويكبر ليعمل ويريحها من العذاب، وكان لجدته والدة أمه
دورا كبيرا في حياته وإخوته، فتبادلت الأدوار وأمه لتأخذ دور الأم ترعاهم في البيت،
وأمه مكان الأب تجلب لهم قوت يومهم وترسم لهم مستقبلهم.
آهات الزمان وقسوة البشر ومر الحياة دفعت
والدة أيمن لاتخاذ قرار وضع أبناءها الذكور في احد المدارس الداخلية للأيتام في القدس،
جميعهم قبلوا وعاد أيمن مع أمه بعد أن رفضته إدارة المدرسة خوفا على مشاعره، فأيمن
لازال الصمت يقتل صوته وبذلك كان الطفل الصغير المدلل والمعثر هو المواسي لوالدته في
طريق العودة بعد أن غادرها أطفالها.
المعثر لم تأتي من الفراغ بل لها رواية
واصل إذ لكثرة نقمات الزمان عليه في حياته نادته والدته ب”المعثر”، وكررها والده لامه
قبل وفاته إن هذا الطفل سيعيش حياة قاسية وبالفعل كانت حياة قاسيه خاصة طفولته فهو
أمضاها زائرا للأطباء ومستشفيات المدينة، حيث تأخر النطق، وألم دائم بالرأس حتى أزالوا
اللوز، وألم بالرقبة لعدة سنوات حتى اكتشفوا جسما غريبا منعه من الطعام لعدة أسابيع،
وعملية الزائدة، وشهر في العناية المركزة جراء سقوط حجر على رأسه افقده الوعي، وغيرها
من الحوادث الصغيرة، ومنها عضة كلب ألزمته المستشفى أسبوعين لأن جراثيمه أصابت أجزاء
مهمة في جسده، هكذا كانت طفولته حتى الأطفال كانوا يتطهرون بعمر الأسابيع والأشهر الأولى
إلا هو تطهر وعمره أربعة عشر عاما بغرفة العمليات لان أمه نسيت الأمر لكثرة عثراته.
تغربت الأيام به وبوالدته وإخوته لتجعل
أمه تأخذ القرار الصعب من جديد وهو البحث عن مكان تضع فيه أيمن المعثر، وكان هذا قرار
الإعدام لابن الثانية عشر ربيعا من العمر فمدرسته ستكون في مدينة أريحا تلك المدينة
التي وصفها “في آخر ما عمر الله”.
حياة العلقم تدق أجراسها مع أيمن ليقول:
كانت مدرستي الداخلية شاسعة المساحة محاطة بالأشياك وكأنها سجن كبير، الكل فيها موحدي
الشكل من لباس ومظهر حتى في الملابس الداخلية، وأوقات النوم والطعام والاستيقاظ روتين
في المنظر والزمان قاتل، ويضيف كنت أرى العديد من الطلاب يحاولون تمزيق الشياك لينطلقوا
للحرية ومنهم من كان ينجح إلا أنا فحياة شاقة بدأت بتحد معها، رفضت الهروب أو مناشدة
والدتي بإخراجي من المدرسة الملتفة بالأسوار العالية والاشياك الجارحة، عندما كانت
تزورني في الشهور متقطعة الأوصال.
ويضيف والأسى ومرارة الأيام خاطت ملامح
وجهه عشت في هذه المدرسة أقاوم قسوة الحر الشديد ولسعات الحشرات المؤذية، والطعام الجماعي
الذي تعودت على مضغه بصعوبة، تحديت تلك الحياة الجديدة من طفولتي المريرة، التي عشتها
في مدرستي مهانا من المعلمين والطلاب لأنني لا أحسن النطق جيدا، في هذه المدرسة عشت
معذبا بأجواء الظروف الحياتية ولكني تغلبت عليها حتى توج انتصاري بتفوقي بدروسي في
كل المراحل الدراسية التي عايشتها في تلك المدرسة التي تلازم حدودها حدود دولة الأردن.
في تلك المدرسة التي تشبه في تصميمها السجون،
عانيت الجوع والعطش أحيانا، والمهانة والذل، فكانت إدارة المدرسة تعاملنا كالمساجين
المدانين بقتل الأب أو الأم، كلنا هنا لأننا أيتام فمنا من هو يتيم الأب أو الأم أو
الاثنين معا، والمدرسة قسمين احدهما صناعي والأخر تعليمي ابتدائي حتى الإعدادي.
ويستمر في حديثه تمتلك المدرسة من المساحات
والأراضي والمصانع ومزارع البقر والدجاج الكثير وهذه الأملاك كانت نقمات علينا ففي
يوم الجمعة، اليوم الذي يتمناه الطالب حتى يريح جسده وعقله من الإرهاق الدراسي، كانت
إدارة المدرسة تقودنا جميعا لنزيل أوساخ البقر ولننظف مزرعة الدجاج أيضا، اذ نبدأ الساعة
الثامنة حتى الساعة الرابعة، كل طعم للحياة هناك علقم فلا يوجد راحة لا لصلاة الجمعة
ولا للغداء، ملابسنا تزينها ألأوساخ، ورائحتنا عفنة لا يؤثر بها كل مزيلات الأوساخ
والقاذورات،هذا يوم الجمعة وما أدراكم ماذا يحدث في الأيام الأخر؟.
يعيش أيمن للحظات مع نفسه رغم وجودي معه
ليتابع ويقول: كنا ننظف كل شوارع المؤسسة وفي أيام كانوا يجبرونا على مد أيدينا في
قواعد الحمامات عندما تغلق كعقاب لنا لأننا نحن السبب في ذلك، كل ذلك ولا نستطيع الرفض
ومن يتجرأ فسيلاقي ألوان العذاب فإما الشبح تحت قرص الشمس الساطع بوهجه الحار،او الركض
لساعة من الزمن بالحر الشديد، والحرمان من الأكل ليوم واحد أو يومين، والضرب المبرح،
لم يقتصر العقاب إلى هنا بل كانوا يجعلوننا نخلع كل ملابسنا عدا الداخلية لنطوف شوارع
المؤسسة التي تبلغ مساحتها آلاف الدونمات والتي تعج بالسكان والعمال، الكل ينظر إلينا
ويضحك، والنساء تنظر وتشيح بوجهها عنا، رؤوسنا إلى الأرض ومن يرفع رأسه يجر بالحبال
زحفا على بطنه.
يعقب أيمن لم أكن خارج كادر أللعبه القذرة
من إدارة المدرسة ففي احد الأيام تعرضت مجموعة من طلاب المدرسة للحرق بالات البرسيم،
وأذيع هذا الحدث في المذياع، ليصعق مسامع والدتي هارعة لمختار قريتنا للاتصال بالمدرسة
والاطمئنان على ابنها المدلل، لتتلقى خبر وفاته من إدارة المدرسة، اغثي على روحها وضاقت
بها الدنيا محاربة الوقت لتصل مدرستي للبحث عن ابنها المقتول، كل ذلك وأنا لا اعلم
شيء، وصلت أمي تنادي بأعالي صوتها ليستهدف روحي ذلك الصدى الصوتي ذهبت لها احتضنتني
بشدة، رأيت بعيونها ما لم استطع وصفه، رأيت الشحوب في وجهها لتردد ابني لم يمت، وأنا
باستهجان من أمرها! إلى أن علمت القصة حيث هناك أكذوبة أحيكت لامي في ذاك اليوم عدت
معها للقرية لأجد السكان ينتظروني بجانب قبري، مشهد لن أنساه في حياتي ولم يغب عن ذاكرتي
“فحقارة” بعض موظفي الإدارة وصلت إلى حد معاقبة الأهل بأحاسيسهم ومشاعرهم.
كبر الشبل وبدأ مرحلة جديدة
تستمر الحياة وتأفل شمس سنة وتبزغ فجر أخرى
وما زال أيمن يحاول النطق جيدا مثل الآخرين، حتى يعبر عن رغباته بشكل أفضل،حقق نطقه
بلفظ بعض الكلمات بصعوبة مع بزوغ فجر السنة السادسة عشر من عمره وأمنيته كانت الاحتفال
ولو مرة واحدة بيوم ميلاده، يضيف في هذه المرحلة كنت أساعد والدتي في تخفيف المصروف
عنها بالعمل في داخل الخط الأخضر في فترة الإجازة المدرسية، ولم أدرك بعد الكارثة التي
يعيشها شعبي الفلسطيني، وفي أحد الأيام وأثناء مروري وصديقي من احد شوارع مدينة قلقيلية
ذاهبين الى وطننا المسلوب، استدعانا عدد من الجنود لفحص هوياتنا وكنت سعيدا بالهوية
الجديدة، وبعد فحص الهويات أراد الجنود قضاء وقتا ممتعا بضربنا والتسلية بالدوس على
أجسادنا، حيث أننا غادرنا مكان الجنود زحفا والدماء تلون الأرض، إلى استطاع الناس نقلنا
إلى أقرب مستشفى، ومن ثم نقلنا إلى قريتنا، لاعيش طريح الفراش أشهرا عدة حتى شفي جسدي
تماما من ضرباتهم ولم يشفى قلبي بعد.
ويعقب أدركت الكارثة حقا، لا أقول أنني
أدركت أن فلسطين محتلة وعمري ستة عشر عاما، لا بل أدركت هذا في أعوام عمري الأولى،
الكل يدرك ذلك، الأعمى، والأخرس، والمجنون، والطفل الصغير أدركت وحشيتهم وحقدهم، وان
الشعب يعيش بمصيبة كبرى، غصة بالحناجر ومرارة بالقلوب وحسرة بالوجدان.
بدأ أيمن يتساءل بكلامه المتقطع أحيانا
والمتواصل في بعض الحروف بعدما حدث له، ملقيا بالأسئلة على معلميه ليجيبه البعض وليسكته
الآخر خوفا من مصير السجن أو القتل أو الإبعاد بعد تهمة التحريض لان الحديث بالوطنية
في ذلك الزمان يعد تحريضا.
بعد صور اخترقت ذاكرته الصغيرة يقول: عرفت
الكثير عن اليهود وما سجلوه في صفحات تاريخ فلسطين من مجازر وتعذيب وتشريد للشعب الفلسطيني،
ومع انطلاقة الانتفاضة الأولى بدأ مشواري النضالي بكل براءة وصدق الانتماء لفلسطين
وطني الحبيب، شاركت بضرب الحجاره وحرق الإطارات، وتمكنت من تعلم صناعة المقاليع وتعليق
الأعلام على عمدان الكهرباء، التي كنت أتسلقها بقدمي الحافيتين، اذ كنت أصغر فدائي
مع رجال الثورة في قريتي قوصين، وكانت مقليعتي، سلاحي الذي لم يفارقني طوال مكوثي في
قريتي في العطلة المدرسية، فوظيفتي وأصدقائي استقبال جيش الاحتلال وتوديعه بالحجاره.
ترجل وعانق السياسة بأفكاره الصغيرة
تذهب الأيام والشهور والسنون من عمره وما
زال يبحث عن طفولته أو مرحلة جديدة من مراحل العمر لكي يعيشها كغيره من الأطفال أو
المراهقين السعداء بحياتهم بحرية، وللحظات سارعني هو بالإجابة عن إذا ما وقع في الحب؟
ليضحك ضحكته العريضة رغم عمقها بغصات القلب، لم أتفرغ للحب لم يكن أمامي سوى هم وطني
والاحتلال وسجاني في مرحلة مراهقتي فهل أحبه؟،
أشعل أيمن السنة السابعة عشر من عمره وهو
يحاول ان يجد النور في ضوء كل نهار جديد.وبعدما شهدته عيونه من مأساة شعبه، يقول: في
حينها نسيت هَم أسرتي ووالدي الذي رحل عنا مبكرا، وعذاب أمي وهي تعمل في مستشفى المدينة
عاملة نظافة، ونسيت صوتي الذي ما زال يحاول تحسين نطقه، نسيت كل همومي، وتربع في قلبي
هم واحد هو هَم وطني وشعبي، ليطاردني في أحلامي ويقظتي، كل شيء هنا يذكرني بذلك، المذياع
والتلفاز، وصور الجرائد، تراكم غضبي وازدادت حدته على أزيز رصاص مذبحة الأقصى
8/10/1990م التي احتضن فيها الأقصى 22 شهيدا
وعشرات الإصابات على ساحاته الشريفة.
ويتابع كنت حينها موجودا في مدرسة أبو ديس
الداخلية الثانوية، وفي ذاك اليوم اتشحت السماء بغيوم سوداء في وقت الظهيرة، وبكت دموعا
غزيرة، وانتفض وجداني وأقسمت الانتقام وأنا واضع يدي على كتاب الله عز وجل، ترامت أمام
عيوني مشاهد الشهداء وأمهاتهم واستبقني لذاكرتي الأبناء الذين سيعيشون بدون أب لأنني
أعيش منذ صغري بدونه، فرحيل الأب من حياة أبناءه أمر صعب جدا قبل أن يقودهم إلى بر
الأمان
وتمر الأيام وأيمن يبحث عن سبيل ليبر به قسمه في الانتقام لدماء الشهداء وعذابات الشعب،
حتى اهتدى إلى وسيلته بتفكيره الطفولي البريء، أشعلها في ذاته احد رفاقه في الباص الذي
يتنقل فيه لمدرسته وكان سلاحه السكين، وبدأ بوضع خطته فكان القرار أن ينطلق يوم السبت
الموافق 10/11/1990، فبدأ بالاستعداد حيث يخبئ مصروفه اليومي بحصالته الصغيرة ليجمع
ثمن سكينه.
ويقول: بدأت بتوديع أصحابي وأقاربي وإخوتي
ووالدتي دون إشعارهم بنيتي، واقترب الموعد فحزمت حقائبي للسفر إلى حيث مدرستي، احتضنت
والدتي وكدت افضح أمري من شدة احتضانها، إنها ضمة مودع إلى اعز إنسانة على قلبه، حان
الموعد ودقت طبول الثأر وشفاء ما في الصدور من هَم وحزن وحسرة وألام، اشتريت سكينتي
وخبأتها في حقيبتي المدرسية بجانب كتبي، وكان ثمنها سبعة شواقل، لبقي معي ثلاثة عشر
شيقلا، هذا كل ما استطعت جمعه في حصالتي طوال شهر ونصف، وأخذت ابحث عن قاتلي، أحاول
مرة تلو الأخرى، حتى وجدت هدفي وأصابت عيني المكان، ذهبت واختبأت خلف جدار، أنتظر قدوم
ثلاثة جنود من حرس الحدود الذين يسيرون ذهابا وإيابا في نفس المكان بمدينة القدس الشريف،إلى
أن اقتربت خطاهم الجبانة مني، يتقدمهم ضابطهم، وضعت الحقيبة بين ذراعي ويدي تقبض على
يد السكين، وعندما ظهر الجندي الأول برأسه كبرت بصوتي الذي لفظ “الله الأكبر” بدون
تلعثم وهذه أول كلمة ألفظها صحيحة مئة بالمائة، الله أكبر وسكينتي هوت على جسد أولهم
لأتركهم الثلاثة بجراحهم وان كانت بسيطة، لأفر من المكان معتقدا بذاتي العودة لانتقم
مجددا
حلم لم يكتمل فسرعان ما انتشر الخبر وعج
المكان بالجنود والشرطة بحثا عني حتى أوقعوني أرضا برصاصهم الذي أصاب قدمي اليسرى،
ملقين أجسادهم على جسدي مقيدين أطرافي ومنهالين بكل ما في أيديهم ضربا على جسدي المقيد
والمثخن بالجراح، فقدت الوعي حتى أدركته بعيني في أحد المستشفيات الإسرائيلية.
ويستمر بحديثه لم أشعر بشيء إلا أنني فتحت
عيني فقط ، لم أشعر بجسدي المثقل بالكدمات والكسور والجراح، اعتقدت أن روحي تحلق بالجنة
حينها كنت سعيدا جدا، ولكن اعتقادي خانني فما أن أبصرت بعيوني جيدا إلا ورأيت جنود
الاحتلال وشرطتهم تحيط بالسرير، المقيدة أطرافي به، وانطفأت شمعة أمل الشهادة، وعرفت
أن اعتقادي كان خاطئا فانا قد وقعت بقبضتهم، فقد تمنيت الشهادة فداء لكل المعذبين في
أرض الوطن، وتمنيت الشهادة حتى لا أُعَذَبُ بعذاب أسرتي، وأحمل ذنبهم حين تشردوا من
المنزل وهدمه الاحتلال ليعيشوا شهرا كاملا في خيمة ينتقلو بعدها إلى منزل عافه الزمان
والبشر، وحين رايتهم في زيارتي من خلف أشياك السجن شق صدري بألمهم.
صفحات جديدة من العذاب والحسرة والمرارة
قصص بدأت تُعنون بمراحل رحلتي خلف القضبان،فدونت
قصصي ومعاناتي ومن حولي المعذبين في الزنازين
لتكون بداية لقلمي الذي كان له “عتمة الزنزانة، وشموع أضاءت ظلام السجون”، مشاهد كثيرة
عشتها في أقبية التحقيق في مراكز مشهورة ومعروفة بقسوتها ووحشية المحققين فيها، كنت
مصابا في رجلي اليسرى وأعاني كثيرًا من الألم، ولم أجد اهتمام من قبل الأطباء والممرضين
الذين اقسموا يمين المهنة بان يقدموا المساعدة الطبية لكل إنسان صديق وعدو، لكن هذا
الجنس من البشر يعتبر كل البشر أعداء محقود عليهم.
تلقى أيمن علاجه القاسي فأخاطوا جراحه المتناثرة
بدون تخدير موضعي أو كلي وإصابة رجله قابلوها
بالقسوة والإهمال، حتى كادت تتعفن وتبتر من فوق الركبة، واستغل المحقق ضعف جسد أيمن ومعاناته من الجروح والكسور والرضوض ولم
يعطيه فرصة ليتماثل الشفاء حتى يستطيع مقاومة أساليب التحقيق الوحشية.
فيقول: تعامل المحقق معي كجسد معافى لرجل
بالغ، في حين اغفل فيه أن عمري لم يتجاوز السابعة عشر عاما، أخذا بصب السبيرتو الحارق
على جرحي، ملقيا بالضرب على رأسي وعلى مواطن آلامي شابحا جسدي المهلهل بالأوجاع لعدة
ساعات، وأنا صابر أحاول الصمود أمام كل تلك العذابات والمعاناة، وكنت في معظم الأحيان
افقد وعيي بسبب التعذيب القاسي واشتداد ألمي
وجرحي الذي لم يستطع التحمل
ويسترجع أيمن إحدى مشاهد الألم من مسلسلة
المر فيقول: وضعت في زنزانة طولها مترين ونصف وعرضها متر وفي مقدمة الزنزانة يوجد قاعدة
مرحاض، ورائحة الزنزانة سيئة جدا تعافها الحيوانات، وكلها رطوبة ولا تتلاءم مع جسد
مثخن بالجراح، وما زلت صائما عن الطعام بفعل حقدهم
ويكمل جسدي المصاب بحاجة إلى غذاء خاص،
شعرت حينها بالعطش الشديد زحفت حتى وصلت الباب وطرقت بيدي متحاملا على ألم الرضوض التي
أصابت كل جسدي جراء الضرب الشديد الذي تلقيته من أقدام المحققين والياتهم، اطلب الماء
من المحقق، فأتلقى الجواب بقوله: عندك ماء، انظر أين الماء؟؟ ابحث عنه؟؟ وإذ بصوت الماء
يهدر في أرجاء الزنزانة أين هو؟؟ انه يصب في فوهة المرحاض، يقصد المحقق هذا الماء،
ماذا افعل؟؟ مغلوب على أمري، لم استطيع الشرب إلا بوضع لحيتي في فوهة المرحاض حتى استطعت
الحصول على رشفات من الماء من الأنبوبة التي تصب في المرحاض، فهي مصممة لذلك، حتى يذلوا
ويهينوا الأسير الفلسطيني، وبعد لحظات فتح المحقق طاقة الباب وألقى من خلالها قطعتي
خبز تتوسطهما قطعة لحم تسمى هنبرغر رائحتها تعافها الكلاب ولكن ما العمل مغلوب على
أمري ويجب التحمل والتحدي، هذه اللحظات من أقسى لحظات حياتي شعرت أن كرامتي قتلت صبري
فخر ولكنني أذللت ولن انسي.
وللمحكمة حكاية ورواية حفظها ذهن أيمن ليقارن
فيها الديمقراطية المزعومة والعدالة الواهمة .ليتحدث كنت دائما أتلقى الضرب حتى في
نومي فلم يسمحوا لجراحي بالتماثل وجراحاتي طال انتظارها وهي تستجدي الشفاء وكلما بدأت
تتماثل للشفاء الضرب يعيدها إلى حيث البداية، وأثناء ذهابي للمحكمة والمستشفى كنت أهان
وأتلقى الضرب حتى من المارة اليهود عندما يعرفون قصتي،وانتهت هذه القصة بنطق الحكم
الجائر علي بقضائي خلف القضبان عشر سنوات، ومَنَّ عليَّ القاضي بقوله:” حكمتَ عليك
بعشر سنوات لأن عمرك سبعة عشر عاما، لأنك تعتبر قاصر تحت الثامنة عشر، ولو كنت فوق
الثامنة لحكمتك عشرون عاما”.
وبدأت قصة السجن على مدار العشرة سنوات،
عقد من الزمن نسج بين صفحاته أحداث وتاريخ عشتها خلف القضبان لم أذق حلاوتها كلها أحداث
مرة ومرة ومرة حتى عانق جسدي أرض الوطن حرا في 8/8/2000م، وبعد شهر من نيلي الحرية
انطلقت رصاصات الانتفاضة الثانية، وكان نصيبي بهذه الانتفاضة أن اسجن أربعة سنوات في
سجون الاحتلال في ذاك الحين عدت لنسج كتاباتي
المتنوعة، وأنا الآن حرا طليقا ولكنني انسج كلمات قصة أخرى مرة، تلاحقني التضحية بعد
احد عشر عاما على الزواج، من ابنة الجيران التي عندما خرجت من سجني ذهبت أتساءل عن
رفاقي في اللعب بالتراب، لأراها وأعجب بها لتكون شريكتي لنستمر في نشد طفلا أو طفلة
ترسم بسمتنا بعد ان تعرضت للضرب على أيدي السجانين إذ افقدوني قدرتي على الإنجاب.
التضحية مستمرة
يحاول أيمن مرارا وتكرار ابتداع الأشياء
من حوله فكتب مجموعة كبيرة من القصص وآداب السجون، والى هذه اللحظة لم يجد الراعي الذي
يعينه على نشرها، كما انه استطاع ان يختلق من المواد البسيطة ألعابا بيئيه للأطفال
ترشدهم آداب السلامة البيئة والتعامل مع المحيط ناشدا ان يستطيع تجسيدها على الواقع
لأنها انجازات ومجسمات تستحق ان تكون واقعا، ويذكر ان ايمن فشل في متابعة دراسته الجامعية
بسبب اعتقاله المتكرر على أيدي قوات الاحتلال،ولم ينساه الشهيد ساسر عرفات بأن يوظفه
في احد الوزارات وهاهو أيمن يسطر إبداعه وحبه لوطنه مستمرا في تضحيته وان كانت فكريه.
اعتذر لعدم التصريح بالاسم وذلك لان شخصية
البروفايل رفضت التصريح عن ذاتها في اخر وقت